: شيخ الإسلام


محمد رافع بن ثقل
17-Mar-2007, 01:07 AM
ابن تيميه

كم من البشر عاشوا على هذه البسيطة وكم من القرون ولت وانقضت وكأنها ما كانت وما خلقت ولكن ما أندر واقل أولائك الذين كانوا ورحلوا بوجوههم عن البشر ، ولكنهم هم الحاضرون الغائبون بكل ما يحمل هذا التعبير من معنى .


حاضرون بآثارهم الزكية وتراث خلفوه من بعدهم ولا أثمن ولا أغلى ، هذه الخاصية اكتسبها مثل هؤلاء من قدوتهم الأول رسول الله _ صلى الله عليه وسلم_
لأنهم ورثته ولهم النصيب الأوفر من تركة النبوة. وما ورث الأنبياء درهما ولا دينارا
وإنما هو هذا العلم علم النبوة كتاب الله وسنته -صًلى الله عليه وسلم _ .
سالكين في ذلك طبقة أعلى منهم وأرقى صحب رسول الله رضي الله عنهم أجمعين فهي السلسلة الذهبية في حلقات متتابعة وان اختلفت عصورهم وأزمنتهم . فليس الزمان بشيء في ميزانها ولا تحسب منه إلا ما ارتوى من ذات ذلك المنهل العذب الزلال
(( وأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)).

ولعل ما أسلفته تقدمة طويلة ، ولكنها والله لتقف أحرفي كقزم يريد أن يطال عملاق .
أقول إخوتي من أولائك الأفذاذ علم شامخ وإمام ناصح جهبذ عصره بل والى اليوم لا يزال علمه منبعا للنور وللأعداء له رهبة في الصدور شيخ الإسلام بحق ابن تيمية _رحمه الله_

نســــــــــــبـــــه :

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبدالله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد
بن تيمية الحراني وكنيته أبو العباس ولقبه تقي الدين على عادة أهل ذلك الزمان.

ولد رحمه الله يوم الاثنين 10/3/661 هـ
وتوفي رحمه الله ليلة الاثنين 20 ذي القعدة 728هـ .

عـــــــــــصـــــــــــره :

ظهر شيخ الإسلام ابن تيمية في عصر كثير الفتن شبيه بعصرنا لحد كبير إلا أنه لا ابن تيمية بيننا .
كانت الأمور السياسية مضربة وتفرقت فيه كلمة المسلمين، مع تكالب الأعداء على أمة الإسلام ، فتعرض المسلمون لموجات غزو التتار من الشرق والغزو الصليبي من الغرب . مع ما كان يسود المجتمع المسلم من الجهل بدينه وشيوع البدع لغلبة ظهور الفرق الضالة من الرافضة والمعتزلة والصوفية ومتعصبي المذاهب الفقهية وطغيان علم الكلام والفلسفة على الكتاب والسنة.

في هذه الأوضاع المعتمة عاش شيخ الإسلام فعلم رحمه الله أنه لا خروج من هذه الدياجير إلا بالرجوع للأمر الأول وهو ما كان عليه السلف الصالح وتعلم العلم الشرعي من منبعيه الكتاب والسنة واقتفاء آثار الأولين من صحب رسول الله والتابعين لهم بإحسان. إذ لا يصلح آخر الأمر إلا بما صلح به أوله .
فاتجه نحو:-


طـــــــــلــــــب العــــــــــلــــــــم :

انكب شيخ الإسلام على طلب العلم النافع فتفقه وتعلم واستنار بنور الوحيين ، إذ لا يزول ذلك الظلام الذي هم فيه إلا بالنور والإصلاح يحتاج إلى حكمة ولا حكمة دون العلم.

نــــــشـــــــره للـــــعـــلم :

لا نفع لذلك العلم وذلك النور ما لم يستضاء به ويزيل الظلام من حوله .
فبدأ شيخ الإسلام في تعليم المجتمع من حوله فلتف حوله طلبة العلم من كل حدب وكان له مناظرات ومجالس في المحافل يرد على أهل الأهواء والمنحرفين عن جادة الحق إذ لابد من تصفية ما علق في دين الناس من الشوائب وتقوية الداخل وتنقيته لأنه رحمه الله علم بأنه لا نصر للأمة وهي تتعبد بغير ما شرعه لها ربها عز وجل_ .

جهاده بقلمـــــــــه ولســــــــانه و سيـــــــفــه :

في 27 ربيع الأول من سنة 699 هجريه دخل التتار بقيادة قازان دمشق بعد معركة هزم فيها المسلمون فعاثوا فيها فسادا ، فاجتمع شيخ الإسلام ببعض أعيان البلاد واتفقوا على الذهاب لقازان والتحدث معه، فلما وصلوا إليه قابله شيخ الإسلام وطلب منه الأمان لأهل دمشق ورد الأسرى من المسلمين وأهل الذمة
ثم كلمه شيخ الإسلام بقوة وشجاعة وشنع عليه ما يفعله بالمسلمين ونقضه العهود معهم ، حتى خاف عليه الحاضرون من بطش قازان لما يعلمون من سطوته وشدته، ولكن الله قذف الرعب في قلب قازان لما رأى ثبات شيخ الإسلام ورباطة جأشه ، فسأل عنه فأخبر بما عليه شيخ الإسلام من العلم والعمل فقال قازان :( فاني لم أر مثله ، ولا أثبت منه قلبا ، ولا أوقع منه حديثا في قلبي ، ولا رأيتني أعظم انقيادا لأحد منه..... ) .
بل إن شيخ الإسلام هو الذي حض سلطان مصر على الجهاد ورغب الناس فيه لما قدم التتار مرة أخرى سنة 702 هجريه فسير السلطان جيشا كان ابن تيمية فيه وانتصر المسلمون في تلك الوقعة وقعة "شقحب " في الثاني من رمضان سنة 702 .
أما مناظرات الشيخ فكثيرة منها أنه لما طلب رضي الدين الواسطي الشافعي من شيخ الإسلام بأن يكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، وهي ما تعرف بالعقيدة الواسطيه، فكتبها الشيخ فانتشرت بين الناس ، فثار أهل الحقد من الفرق البدعية ، فسعى هؤلاء إلى السلطان ، فأمر السلطان بجمع القضاة والمفتين والمشايخ والعلماء وكان ذلك يوم الاثنين الثامن من رجب سنة705 هجريه فقرأت الواسطية بحضور أمير الشام فأخذ المخالفون يناظرون الشيخ ويناقشونه والشيخ يرد عليهم ويناظرهم ويبين لهم بأن هذه العقيدة هي عقيدة أهل السنة والجماعة وهي التي يدل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف وكان يلزمهم بنصوص الوحيين فلا يستطيعون الرد ويدعوهم للتمسك بمذهب السلف الصالح وأنه لم يضع هذه العقيدة من ذات نفسه ،وليس لأحد أن يشرع للناس ما لم يأذن به الله، وإنما تؤخذ من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة _رضوان الله عليهم_. وعقد لهذه المناظرة عدة مجالس إلى أن أقر القوم بالعقيدة الواسطيه، واخذ بعضهم يثني على الشيخ ويمدحه، فأظهر الله الحق على يد شيخ الإسلام فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن المسلمين خير الجزاء.
صبـــــر شيـــــخ الإسلام :

لقد أبتلي شيخ الإسلام مرات عديدة وهذه سنة الله في أنبيائه و أوليائه وذلك بأن دعوة الشيخ قد صادفت صنوف من الأعداء والأهواء التي أزعجها نهج شيخ الإسلام الذي يدعو للرجوع بالدين لمنهج السلف الصالح.

ومن ذلك أنه سجن مرات عديدة منها سجنه في سجن القضاة في مصر سنة 707 وسجن أيضا في سجن الإسكندرية سنة 709 وسجن في قلعة دمشق مرات كان آخرها سنة 726 هجريه فكا ن رحمه الله أينما سجن يحول تلك السجون لمدارس يعلم فيها المسلمين أمور دينهم ويغير فيها المنكرات ويحذرهم من البدع بل أن كثيرا من كتبه سطرها في سجنه وكانت ترسل له الفتاوى في السجن فيجيب بالنصوص الشرعية عن المسائل المشكلة بما يحير العقول.
فكان رحمه الله لا يهمه الإفراج عنه من السجن ما دام باستطاعته نشر العلم ولذا كان يقول مقولته المشهورة : (( ما يصنع أعدائي بي ؟ إن جنتي وبستاني في صدري ، أين رحت فهي لا تفارقني ، إن حبسي خلوة ، وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة ))

أتعرفون إخوتي ما جنة وبستان ابن تيمية انه نور العلم بكتاب ربه وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم _.


وفـــــــــــاتـــــــــه _ رحمه الله _ :

في التاسع من جمادى الآخرة سنة 728 هجريه منع الشيخ من أدوات الكتابة ، وأرسلت جميع مسوداته وأوراقه إلى المكتبة العادلية ، وكان ذلك في نحو ستين مجلدا، فصار يستخدم الفحم للكتابة ولكن ذلك كان له صدمة عنيفة آلمته كثيرا ، ولقد ختم شيخ الإسلام القرآن في سجن القلعة ثمانين مرة ، ولم يعش شيخ الإسلام بعد هذه الصدمة إلا يسيرا حيث توفي _ رحمه الله _ يوم الاثنين في 20 من ذي القعدة سنة 728 للهجرة

إخوتي ما أجمل أن نتمثل سير أولائك القوم ونستضيء من نور ميراثهم ونشغل القلب من نفح ذكراهم لألى نكون أحياء بأجسامنا أموات بأرواحنا.


قد مات قوم وما ماتت مكارمهم """"" وعاش قوم وهم في الناس أموات

حسن العراقي
17-Mar-2007, 02:54 AM
تسلم ياخوي محمد على هذا الموضوع الجيد،،،، وعلى طرحك الرائع

عادل حمدان
17-Mar-2007, 09:20 PM
جزاك الله خيراً ,,,

إنَ من أغرب ماسمعت عن ماوصل إليه حال المسلمون في تلك الفترة من ذلٍ وهوانٍ على الناس أن التتري كان يوقف مجموعة من المسلمين في أحد الطرقات ثم يقول لهم ليس معي سيف إنتظروني حتى أحضر السيف من البيت ﻷقتلكم به وكان لا يستطيع أحداً منهم أن يحرك ساكناً حتى يأتي من بيته ليقتلهم !!!
وكل هذا لمَا ابتعدوا عن لا إله إلا الله